الفيض الكاشاني

175

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء

عليه السّلام ثمّ قال : « يا عبد العزيز جهل القوم وخدعوا عن آرائهم إنّ اللَّه تعالى لم يقبض نبيّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم حتّى أكمل له الدّين وأنزل عليه القرآن فيه تبيان كلّ شيء ، بيّن فيه الحلال والحرام والحدود والأحكام وجميع ما يحتاج إليه الناس كملا فقال تعالى : « ما فرَّطنا في الكتاب من شيء » ( 1 ) وأنزل في حجّة الوداع وهي آخر عمره صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم « اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا » ( 2 ) وأمر الإمامة من تمام الدّين ، ولم يمض عليه السّلام حتّى بيّن لامّته معالم دينهم وأوضح لهم سبيلهم وتركهم على قصد سبيل الحقّ وأقام لهم عليّا صلوات اللَّه عليه علما وإماما وما ترك شيئا يحتاج إليه الأمّة إلا بيّنه ، فمن زعم أنّ اللَّه تعالى لم يكمّل دينه فقد ردّ كتاب اللَّه تعالى ومن ردّ كتاب اللَّه فهو كافر به ، هل يعرفون قدر الإمامة ومحلَّها من الأمّة فيجوز فيها اختيارهم ، إنّ الإمامة أجلّ قدرا وأعظم شأنا وأعلا مكانا وأمنع جانبا وأبعد غورا من أن يبلغها الناس بعقولهم أو ينالوها بآرائهم أو يقيموا إماما باختيارهم ، إنّ الإمامة خصّ اللَّه بها إبراهيم الخليل صلوات اللَّه عليه بعد النبوّة والخلَّة مرتبة ثالثة وفضيلة شرّفه بها وأشاد بها ذكره ( 3 ) فقال : « إنّي جاعلك للناس إماما » ( فقال الخليل عليه السّلام سرورا بها ) : « ومن ذرّيّتي » قال تعالى : « لا ينال عهدي الظَّالمين » ( 4 ) فأبطلت هذه الآية إمامة كلّ ظالم إلى يوم القيامة وصارت في الصفوة ، ثمّ أكرمه اللَّه تعالى بأن جعلها في ذريّته أهل الصّفوة والطهارة فقال : « ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين . وجعلناهم أئمّة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين » ( 5 ) . فلم تزل في ذرّيّته يرثها بعض عن بعض قرنا فقرنا حتّى ورّثها اللَّه تعالى النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم فقال جلّ وتعالى : « إنّ أولى الناس بإبراهيم للَّذين اتّبعوه وهذا النبيّ والَّذين آمنوا واللَّه وليّ المؤمنين » ( 6 ) فكانت له خاصّة فقلَّدها عليّا عليه السّلام

--> ( 1 ) الانعام : 38 . ( 2 ) المائدة : 3 . ( 3 ) الإشادة : رفع الصوت بالشيء . ( 4 ) البقرة : 124 . ( 5 ) الأنبياء : 73 . ( 6 ) آل عمران : 68 .